د. سعيد خديده الشنكالي
في زوايا الوجع السوري، حيث تتكاثر الحكايات وتضيع الأسماء تحت ركام الحرب، تقف الأيزيدية والأكراد والمسيحيون كشواهد حيّة على مأساة إنسانية لم تكن يومًا قدرًا، بل نتيجة صمتٍ طويل وتجاهلٍ قاسٍ لمعنى العدالة.
هؤلاء لم يطلبوا امتيازًا، ولم يسعوا إلى صراع، بل أرادوا فقط أن يعيشوا كما خُلق الإنسان: أحرارًا، آمنين، معترَفًا بكرامتهم وهويتهم.
الأيزيدية… حين يصبح الإيمان جريمة
لم تكن مأساة الأيزيدية في سوريا مجرّد حدث عابر، بل جرحًا مفتوحًا في الضمير الإنساني.
نساء خُطفن، قرى أُفرغت، وذاكرة استُهدفت لأنها مختلفة. ومع ذلك، لم تنطفئ روحهم، وبقي الإيمان بالنسبة لهم ملجأً لا سجنًا، ووسيلة للبقاء لا سببًا للإبادة.
الأكراد… شعب لم يفقد صوته
الأكراد في سوريا عاشوا عقودًا من التهميش والحرمان، لكنهم لم يفقدوا إيمانهم بأن العدالة ممكنة.
ناضلوا من أجل لغتهم، وثقافتهم، وحقهم في المواطنة الكاملة، لا بروح الانتقام، بل بروح الإصرار.
قضيتهم ليست انفصالًا، بل اعترافًا؛ وليست تهديدًا، بل مطالبة بحقوق إنسان بديهية.
المسيحيون… ذاكرة الأرض ورسالة السلام
المسيحيون في سوريا هم أبناء هذه الأرض منذ آلاف السنين، حملوا رسالة المحبة في زمن الكراهية، وبنوا جسورًا بين المكونات حين تهدمت الجدران.
تهجيرهم لم يكن خسارة لطائفة فحسب، بل خسارة لسوريا نفسها، لأن التنوع حين يُستهدف، يُستهدف الوطن كله.
وما تعرّضت له هذه المكونات يشكّل انتهاكًا صارخًا لكل القيم التي يتغنى بها العالم الحر الحق في الحياة، وحرية المعتقد، وعدم التمييز.
الصمت الدولي لم يعد حيادًا، بل شراكة غير مباشرة في استمرار الألم.
فالعدالة المؤجلة ليست عدالة، والحقوق التي لا تُحمى تتحول إلى شعارات فارغة.
اخيرا الدفاع عن الأيزيدية والأكراد والمسيحيين في سوريا واجب أخلاقي وإنساني.
هو دفاع عن فكرة أن الإنسان يستحق الحياة مهما كان دينه أو قوميته.
سوريا لن تُشفى بإقصاء أبنائها، بل بالاعتراف بجراحهم، ومحاسبة من انتهك حقوقهم، وبناء مستقبل يتسع للجميع دون استثناء.
حين نحمي الضعفاء، نحن لا نمنحهم صوتًا فحسب، بل نستعيد إنسانيتنا التي كادت أن تضيع.
وإن مستقبل سوريا لا يُبنى بلون واحد ولا بصوت واحد، بل بتعددها، واعترافها بجراح أبنائها جميعًا، وإصرارهم المشترك على أن الكرامة الإنسانية هي الأساس، وهي البداية، وهي الغاية


إرسال تعليق
0تعليقات